الشنقيطي
155
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ هود : 13 ] ، وتحداهم به كله في الطور بقوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 34 ) [ الطور : 34 ] . ثم صرح في سورة بني إسرائيل بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله في قوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء : 88 ] ، فاتضح بطلان دعواهم الكاذبة . قوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ [ 93 ] الآية . لم يصرح هنا بالشيء الذي بسطوا إليه الأيدي ، ولكنه أشار إلى أنه التعذيب بقوله : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ [ الأنعام : 93 ] الآية ، وصرح بذلك في قوله : وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ [ الأنفال : 50 ] ، وبين في مواضع أخر أنه يراد ببسط اليد التناول بالسوء كقوله : وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [ الممتحنة : 2 ] ، وقوله : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي [ المائدة : 28 ] الآية . قوله تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ [ 94 ] . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يأتون يوم القيامة كل واحد منهم بمفرده ليس معهم شركاؤهم ، وصرح تعالى بأن كل واحد يأتي فردا في قوله : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ( 95 ) [ مريم : 95 ] ، وقوله في هذه الآية كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي منفردين لا مال ، ولا أثاث ، ولا رقيق ، ولا خول عندكم ، حفاة عراة غرلا ، أي غير مختونين كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ( 104 ) [ الأنبياء : 104 ] ، وقد عرفت من الآية أن واحد الفرادى فرد ، ويقال فيه أيضا : فرد بالتحريك ، ومنه قول نابغة ذبيان : من وحش وجرة موشي أكارعه * طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد قوله تعالى : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 94 ) [ 94 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة : أن الأنداد التي كانوا يعبدونها في الدنيا تضل عنهم يوم القيامة ، وينقطع ما كان بينهم وبينها من الصلات في الدنيا ، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جدا كقوله وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ ( 6 ) [ الأحقاف : 6 ] ، وقوله كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( 82 ) [ مريم : 82 ] ، وقوله إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 25 ) ، وقوله أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ( 93 ) [ الليل : 92 - 93 ] ، وقوله هنا وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [ الأنعام : 94 ] الآية .